
وسط أكبر أزمة إنسانية يشهدها السودان، وفقًا لتقارير أممية، يستمر توظيف المرتزقة الأجانب، ولا سيما من كولومبيا، بينما يسارع آخرون إلى حمل السلاح من أجل المال وضمن ولاءات هشة تؤدي إلى مقتل آلاف السودانيين.
عندما رحب قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، مؤخرًا بانضمام القائد السابق لقوات الدعم السريع، النور أحمد آدم، المعروف أيضًا باسم النور القبة، إلى صفوف الجيش، كان ذلك من أبرز حالات الانشقاق في الحرب السودانية، لكنها لم تكن الوحيدة.
فقد تبعه بعد بضعة أسابيع قائد آخر رفيع المستوى من قوات الدعم السريع، وهو علي عبد الله رزق الله، المعروف بلقب "السافانا".
هذه الحرب قسمت السودان منذ فترة طويلة إلى مناطق نفوذ متنازع عليها بشدة. ففي الوقت الذي يسيطر فيه الجيش السوداني (القوات المسلحة السودانية) على الخرطوم وبورتسودان وأجزاء واسعة من شرق ووسط السودان، تسيطر ميليشيات الدعم السريع المعادية على مناطق شاسعة في غرب البلاد، وخاصة في دارفور ومدينة الفاشر.
الانشقاق هربًا من العقاب؟
يسعى قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى استقطاب منشقين من قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في عام 2023. وحتى ذلك الحين، عرض على مقاتلي الميليشيا عفوًا عامًا إذا ألقوا أسلحتهم.
في المقابل، ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش أنها تحققت من مقاطع فيديو يُفترض أنها تُظهر المنشقين أثناء حصار الفاشر، ووثقت جرائم خطيرة ارتكبتها قوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو ضد المدنيين خلال سيطرتها على المدينة في أكتوبر 2025. لكن المنظمة لم تتحقق مما إذا كان هذا العفو يشمل المنشقين الجدد أيضًا.
وفي هذا السياق، يعتبر محمد عثمان، خبير الشؤون السودانية في هيومن رايتس ووتش، أن تغيير الولاء لا يجب أن يعني أبدًا الإفلات من العقاب. ويقول: "من يرتكب جرائم خطيرة لا يحصل على عفو من العقاب لمجرد تغيير انتمائه". ويضيف أن الضحايا لهم الحق في العدالة.
صراعات داخلية
قد تشير الانشقاقات الأخيرة إلى توترات متزايدة داخل قوات الدعم السريع، وفقًا لتقدير مراقبي النزاعات في منظمة مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED). وترى المنظمة وجود "تصدعات في التحالفات الأساسية داخل ميليشيا الدعم السريع"، وتعزو ذلك إلى تناقص الموارد وزيادة التنافس على غنائم الحرب المتبقية.
وتحدث هذه الانشقاقات والانتقال إلى الجيش السوداني في مرحلة يمكن فيها لقوات الدعم السريع مواصلة الاعتماد على الدعم الخارجي. ورغم امتداد خطوط المواجهة عبر السودان، فإن الروابط التي تبقي الحرب مستمرة تتجاوز حدوده.
ويرى الخبراء أن من بين داعمي قوات الدعم السريع دولًا مثل الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا وليبيا وتشاد وكينيا. أما الجيش السوداني، الذي يواجه أيضًا اتهامات من نشطاء حقوق الإنسان، فيحظى بدعم من مصر والسعودية وتركيا وإريتريا. كما يُشتبه في أن إيران قدمت مساعدات عسكرية للجيش النظامي في السودان.
اتهامات لدولة الإمارات
ضمن هذا السياق، يتركز الحديث كثيرًا حول دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص. وتعتقد وكالات الاستخبارات الأمريكية، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، أن أبوظبي زودت ميليشيا الدعم السريع بمسيّرات صينية وأسلحة خفيفة ورشاشات ثقيلة ومدفعية وقذائف هاون وذخيرة. وحول دور الإمارات، قال كاميرون هدسون، الرئيس السابق لأركان المبعوثين الرئاسيين الأمريكيين الخاصين إلى السودان، للصحيفة قبل بضعة أشهر: "لولا الإمارات لانتهت الحرب. الشيء الوحيد الذي يبقي قوات الدعم السريع في هذه الحرب هو الدعم الهائل الذي تتلقاه من الإمارات".
كذلك، وجدت منظمة العفو الدولية في عام 2025 أدلة تشير إلى أن شحنات الأسلحة إلى قوات الدعم السريع "من المحتمل جدًا" أنها من الإمارات.
من جانبها، تنفي الإمارات هذه الاتهامات باستمرار. وأعلن سالم الجابري، وزير الدولة للأمن والشؤون العسكرية في ذلك الوقت، أن "ادعاءات منظمة العفو الدولية لا أساس لها من الصحة وتفتقر إلى أدلة موثوقة".
مقاتلون من كولومبيا
غير أن الاتهامات الموجهة إلى الإمارات لم تعد مقتصرة على توريد الأسلحة والدعم اللوجستي لقوات الدعم السريع. ففي نهاية مايو، نشرت هيومن رايتس ووتش تقريرًا من 83 صفحة بعنوان "من بوغوتا إلى الفاشر"، يشرح كيف تم تجنيد مئات المرتزقة الكولومبيين منذ عام 2024، وفقًا للتقرير.
وبحسب هيومن رايتس ووتش، يُفترض أن تجنيدهم تم عبر مجموعة الخدمات الأمنية العالمية (GSSG)، وهي شركة أمنية مقرها أبوظبي، ثم أُرسلوا إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
"لحسن الحظ، لم يكن المرتزقة الكولومبيون حذرين على مواقع التواصل الاجتماعي"، كما قالت جوي شيا من هيومن رايتس ووتش في حوار مع المجلة السياسية الأمريكية "الديمقراطية الآن". فمن خلال حسابات تيك توك ومحتويات أخرى متاحة للجمهور، تمكنت المنظمة من جمع معلومات كثيرة وتحديد أماكن تواجدهم في قواعد عسكرية إماراتية قبل إرسالهم إلى السودان.
لماذا كولومبيون؟
لإعداد هذا التقرير، تحدثت هيومن رايتس ووتش مع اثنين من المتعاقدين العسكريين الكولومبيين الذين أُرسلوا إلى السودان، بالإضافة إلى موظف سابق في شركة GSSG وسكان من الفاشر ومصادر أخرى. وحللت المنظمة أيضًا سجلات الشركة ووثائق رسمية وصورًا ومقاطع فيديو. ويظهر في بعضها - بحسب هيومن رايتس ووتش - مقاتلون كولومبيون مع وحدات من قوات الدعم السريع في السودان.
وتوثق صور ومقاطع فيديو أخرى إقامتهم أثناء التدريب في منشآت عسكرية إماراتية.
وتقول جوي شيا: "يظهر تحقيقنا أن شركة GSSG، ومقرها أبوظبي، جندت على ما يبدو مئات المقاتلين الكولومبيين، الذين قاتلوا بعد ذلك إلى جانب قوات الدعم السريع - وهي جماعة مسلحة متهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية".
ولكن لماذا كولومبيون؟ وفقًا للتقرير، يُعتبر الجنود الكولومبيون السابقون خيارًا جذابًا لمثل هذه المهام، لأنهم يمتلكون خبرات قتالية واسعة وغالبًا ما تدربوا على أسلحة أمريكية. وهذه العلاقة تعود، بحسب هيومن رايتس ووتش، إلى عام 2011، عندما بدأت الإمارات - وفقًا لبحث أجراه نشطاء حقوق الإنسان - بتشكيل وحدة تضم مئات المقاتلين الأجانب، من بينهم كولومبيون.
الإمارات تنفي
بالنسبة لجوي شيا، ممثلة هيومن رايتس ووتش، فإن دعم الإمارات لقوات الدعم السريع تم إثباته منذ سنوات. "دور الإمارات في تمويل وتسليح وتقديم الدعم العسكري لقوات الدعم السريع تم توثيقه مرارًا وتكرارًا"، كما قالت في حوار: "ومع ذلك، لم يوجه الاتحاد الأوروبي ولا الولايات المتحدة ولا بريطانيا أي انتقادات علنية للإمارات بسبب ذلك".
وقبل أسابيع، تتبعت منظمة "مجموعة رؤى الصراع" المتخصصة في التحليل الأمني أثر مقاتلين كولومبيين في دارفور عبر بيانات الهواتف المحمولة. وقاد التحقيق إلى أماكن من بينها منشأة عسكرية في مدينة غياثي الإماراتية. ويُفترض أن هؤلاء المقاتلين جزء من وحدة تُدعى "ذئاب الصحراء"، بقيادة العقيد الكولومبي المتقاعد ألفارو كيخانو، الذي فرضت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا عقوبات بسبب تجنيده مقاتلين كولومبيين للسودان.
في هذا السياق، تنفي الإمارات أيضًا اتهامها بدعم قوات الدعم السريع، وتقول إنها تدعو إلى "وقف فوري لإطلاق النار" ولا ترى "مستقبل السودان في حكم عسكري"، كما صرح أنور محمد قرقاش، مستشار الرئيس الإماراتي، لوكالة رويترز في نهاية عام 2025.
70 ألف قتيل في الفاشر وحدها
تُظهر الانشقاقات الأخيرة من صفوف قوات الدعم السريع، والاتهامات المتكررة ضد الإمارات، والتحقيقات حول المقاتلين الكولومبيين، مدى اتساع رقعة الحرب وتجاوزها خطوط المواجهة. لكن هذا لا يغير شيئًا بالنسبة للمتضررين في السودان؛ فهم الضحايا الرئيسيون للحرب.
وثقت منظمات حقوق الإنسان في الفاشر عمليات قتل جماعي وانتهاكات خطيرة أخرى ضد المدنيين؛ وتحدثت لاحقًا بعثة تحقيق تابعة للأمم المتحدة عن أحداث تحمل "سمات الإبادة الجماعية".
في الوقت نفسه، تصف منظمات الإغاثة الوضع في السودان بأنه أكبر أزمة تشريد ونزوح في العالم. فقد نزح نحو اثني عشر مليون شخص، ويعاني نحو عشرين مليونًا من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويُفترض أن عدد القتلى في الفاشر وحدها يصل إلى سبعين ألف شخص. كما يصف برنامج الأغذية العالمي الوضع في السودان بأنه أسوأ أزمة جوع في العالم.
أعده للعربية: رائد الباش