
لقد قام مجهولون بحفر الرقمين "86 47" على العشب في منطقة "ناشونال مول" (National Mall) في واشنطن، مما أثار استياء دونالد ترامب، حيث يُعتبران رسالة احتجاج موجهة ضد الرئيس الأمريكي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمثلان تحريضًا على القتل؟
تظهر الأرقام ممتدة لعدة أمتار على العشب الأخضر، ولا يزال الرقم "8" واضحًا بشكل لافت. وفي الوقت الحالي، لا تزال التحقيقات الجنائية جارية لمعرفة كيفية حفرها على العشب في "ناشونال مول". لكن من المؤكد أن الجناة استخدموا مادة أدت إلى موت العشب وتغيير لونه.
ويبدو أن الموقع تم اختياره عن قصد، حيث تم وضع الأرقام بدقة لتكون مرئية بوضوح من "نصب واشنطن" (Washington Monument). كما أنها تقع تحديدًا في المكان المقرر لإقامة الاحتفالات العامة بعيد ميلاد دونالد ترامب الثمانين في نهاية هذا الأسبوع.
لكن ترامب لم ينزعج فقط بسبب تلف العشب جراء حفر هذه الأرقام، بل بسبب الرسالة الخفية وراءها. فالرقمان "86 47" يرمزان إلى احتجاج سياسي معروف في الولايات المتحدة، حيث يُستخدمان كرسالة مشفرة ضد ترامب تدعو إلى "التخلص" من الرئيس الأمريكي. أما طريقة التخلص من ترامب، فيفسرها كل شخص حسب هواه وطريقته.
من الطهاة إلى زعماء المافيا
يعود أصل الرقم "86" كرمز رقمي إلى قطاع المطاعم الأمريكي في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يشير إلى نفاد وجبة معينة، أو ضرورة التوقف عن تقديم المشروبات الكحولية لأحد الزبائن، أو حتى طرد شخص ما من المكان. ولا يزال الرقم "86" يُستخدم يوميًا في جميع الحانات والمطاعم الأمريكية بمعنى "التخلص من شيء ما" (to 86 something). فعلى سبيل المثال، عندما يهتف رئيس الطهاة للعاملين قائلاً: "86 سمك سلمون!"، فهذا يعني أن سمك السلمون قد نفد ويجب حذفه من القائمة. وكذلك عندما يفرط أحد زبائن البار في الشرب أو يصبح عدوانيًا، يُطبق عليه الرقم "86" بمعنى التخلص منه.
لم يعد واضحًا اليوم لماذا اكتسب الرقم "86" تحديدًا هذا المعنى. ومع ذلك، فقد أصبح مستخدمًا منذ زمن طويل في اللغة العامية الأمريكية. وبشكل عام، يُعتبر الرقم "86" الآن في اللغة الأمريكية الدارجة مرادفًا لعبارة "رمي شيء ما" أو "إلغاء مشروع" أو "التخلص من شيء ما".
أما الرقم "47"، فهو يرمز إلى رئيس الولايات المتحدة السابع والأربعين، أي دونالد ترامب. وفي صيغة معدلة، ظهر رمز الاحتجاج أيضًا بشكل "86 45" خلال ولاية ترامب الأولى، وبعد ذلك بشكل "86 46" موجهًا ضد الرئيس الديمقراطي جو بايدن.
وهذا وحده يمكن اعتباره شكلاً إبداعيًا من أشكال الاحتجاج على ترامب. لكن الرئيس الأمريكي وحلفاءه يصنفون الآن الرمز "86 47" على أنه دعوة محتملة للقتل، وذلك لأن عبارة "التخلص من شخص ما" (to 86 something) قد اكتسبت معنى آخر أكثر خطورة، خاصة في أوساط المافيا وغيرها من الأوساط الإجرامية، حيث تدل على قتل شخص ما أو "إخفائه" من الوجود.
دعوة للقتل مكتوبة بالأصداف؟
بدأ الجدل حول التفسير الدقيق لهذه الشيفرة عندما نشر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق، جيمس كومي، وهو خصم سياسي قديم لترامب، منشورًا على موقع إنستغرام في مايو 2025، يظهر صورة لأصداف على شاطئ البحر تشكل الرقمين "86 47". وعلق كومي على الصورة قائلاً: "تشكيلة أصداف بحرية رائعة خلال نزهتي على الشاطئ".
من جانبه، رد ترامب وبعض أعضاء إدارته بشدة على منشور كومي، متهمين إياه بأنه لا يستخدم مصطلحات بريئة من المطاعم بصفته "رئيسًا سابقًا رفيع المستوى لجهاز استخبارات"، بل يرسل رسالة مشفرة. وزعم جيمس بلير، نائب رئيس أركان البيت الأبيض آنذاك، أن هذه الشيفرة "إشارة للإرهابيين والأنظمة المعادية لقتل الرئيس". وبعد ذلك، تم التحقيق مع كومي من قبل جهاز الخدمة السرية، وفي أبريل 2026 رُفعت دعوى قضائية ضده بتهمة تهديد الرئيس.
وقد حذف كومي منشوره في اليوم نفسه بعد ردود الفعل الغاضبة من أنصار ترامب. وأوضح لاحقًا أنه عثر على الأصداف أثناء سيره على شاطئ في ولاية كارولاينا الشمالية، واعتبرها بشكل عفوي "رسالة سياسية" ونشرها. وقال إنه لم يكن يعلم أن بعض الأشخاص قد يربطون هذه الأرقام بالعنف.
هل هي حرية التعبير؟
ومع ذلك، فإن هذا الرمز الرقمي بحد ذاته لا يُعتبر رمزًا محظورًا. ففي مطلع هذا العام، سمح قاضٍ فيدرالي أمريكي للمنظمة الاحتجاجية "المساءلة الآن في الولايات المتحدة الأمريكية" (Accountability Now USA) برفع راية تحمل الرقمين "86 47" بالقرب من "ناشونال مول". وبرر القاضي هذا الحكم بأن الناس عادةً ما يفسرون هذا الرمز الرقمي على أنه دعوة مشروعة لعزل الرئيس دستوريًا أو حجب الثقة عنه، وليس تحريضًا على العنف السياسي. وطالما عُرض هذا الرمز بشكل سلمي على لافتات أو ملابس أو رايات، فإنه يحظى بحماية كاملة بموجب قانون حرية التعبير عن الرأي.
لكن الوضع مختلف بالنسبة للأرقام المحفورة على العشب في "ناشونال مول"، فهذا يُعتبر عملًا تخريبيًا جنائيًا لممتلكات فيدرالية. كما يشير ترامب نفسه إلى وجود تهديد حقيقي، وذلك بسبب وقوع عدة حوادث أمنية ومحاولات اغتيال خلال فترة رئاسته. ولذلك، تحقق السلطات حاليًا في إمكانية فهم هذه الرسالة على أنها تهديد للرئيس، بالإضافة إلى التحقيق في شبهة تخريب الممتلكات العامة.
أعده للعربية: رائد الباش
ملاحظاتكم!