مشروع المقاتلة الأوروبية .. "قلق" فرنسي من صعود ألمانيا العسكري

مشروع المقاتلة الأوروبية .. "قلق" فرنسي من صعود ألمانيا العسكري — Tech | Versia.media

تحركت شركات ألمانية لتطوير مقاتلة جديدة عقب انتهاء مشروع "فكاس" (FCAS) المشترك مع فرنسا، مما أثار في باريس تساؤلات أوسع حول مستقبل الشراكة الدفاعية وتوازن القوى داخل أوروبا.

في أحدث تطور عقب انهيار مشروع المقاتلة الأوروبية المشتركة، تتحرك ثماني شركات دفاعية ألمانية لوضع تصور جديد لطائرة مقاتلة من الجيل السادس. هذه الخطوة لا تبدو في باريس مجرد تحرك صناعي طبيعي بعد فشل مشروع كبير، بل مؤشرًا إضافيًا على أن ألمانيا قد تمضي في بناء قوتها العسكرية الجديدة بعيدًا عن شراكتها التقليدية مع فرنسا.

ووفقًا لوكالة الأنباء الألمانية، تسعى شركات ألمانية كبرى، من بينها إيرباص وإم تي يو وهينسولدت وإم بي دي إيه وديهل ديفنس ورود أند شفارتس، إلى العمل تحت شعار "فريق الجيل السادس" (Team Gen 6)، بهدف تطوير مقاتلة جديدة. وفي ورقة موقف نُشرت خلال معرض برلين الدولي للطيران، قالت هذه الشركات إنه لا ينبغي إضاعة الوقت، وأن على الجانب الألماني تحمل المسؤولية وإثبات القدرة على العمل.

هذه اللغة تحديدًا تمس نقطة حساسة في فرنسا. فوفقًا لتعليق للصحفية ميشائيلا فيغل في صحيفة فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ الألمانية، بدأ الترحيب الفرنسي السابق بالتحول الدفاعي الألماني يتراجع أمام شعور متزايد بعدم الثقة. وأوضحت "لم يعد السؤال في باريس فقط: ماذا ستفعل ألمانيا بميزانياتها الدفاعية الضخمة؟ بل أيضًا: مع من ستفعل ذلك؟"

فشل مشروع كان رمزًا أوروبيًا

كان مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي "FCAS" أحد أبرز رموز الطموح الدفاعي الأوروبي. أُطلق عام 2017 بمبادرة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل، وانضمت إليه إسبانيا لاحقًا. وكان من المفترض أن ينتج مقاتلة من الجيل السادس، إلى جانب طائرات مسيرة مرافقة وشبكة رقمية متقدمة تُعرف باسم "السحابة القتالية".

المشروع الذي قُدرت كلفته بنحو 100 مليار يورو، كان من المفترض أن يحل مستقبلًا محل مقاتلات رافال الفرنسية ويوروفايتر المستخدمة في ألمانيا وإسبانيا. لكنه اصطدم بخلافات طويلة بين شركة داسو الفرنسية وإيرباص، التي تمثل خصوصًا المصالح الألمانية والإسبانية.

وتمحورت الخلافات حول قيادة المشروع، وتقاسم التكنولوجيا الحساسة، وتوزيع الحصص الصناعية. فبينما أرادت داسو دورًا قياديًا أوسع في تطوير الطائرة، تمسكت برلين بمبدأ الشراكة المتساوية. ومع استمرار الجمود، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنهاء الجزء الأساسي من المشروع.

ميرتس يرى فرصة في النهاية

في برلين، لا يقدم ميرتس فشل المشروع بوصفه هزيمة كاملة. فوفقًا لوكالة الأنباء الألمانية، قال المستشار الألماني خلال معرض برلين الدولي للطيران والفضاء إن إنهاء حالة الجمود المستمرة منذ سنوات يفتح آفاقًا جديدة أمام الصناعة الدفاعية للمضي في بناء طائرات مقاتلة حديثة بطرق أخرى.

لكن ميرتس حاول في الوقت نفسه إبقاء الباب مفتوحًا أمام باريس. فقد أكد أن جزءًا من المشروع سيستمر، وهو السحابة القتالية، أي منظومة الربط الشبكي بين أنظمة التسليح المختلفة. ورأى أن هذا الجزء يمكن أن يتحول إلى مشروع ألماني فرنسي محوري في السياسة الدفاعية مستقبلًا، على أن يبحث وزيرا دفاع البلدين آلية التنفيذ قبل الاجتماع الحكومي الألماني الفرنسي المشترك في منتصف تموز/يوليو.

غير أن هذه الرسالة لا تبدو كافية لطمأنة الفرنسيين. فوفقًا لصحيفة فرانكفورتر ألغماينه، لم تكن المشكلة في باريس هي نهاية مشروع الطائرة فقط، بل أيضًا الطريقة التي انتهى بها. إذ كان يمكن، من وجهة نظر فرنسية، صياغة خروج مشترك وواضح مع فرنسا وإسبانيا، بدلًا من ترك الانطباع بأن برلين قررت المسار الجديد وحدها.

قيادة ألمانية منفردة

القلق الفرنسي أعمق من مشروع صناعي واحد. فوفقًا للصحيفة الألمانية، عادت في فرنسا مخاوف قديمة من هيمنة ألمانية داخل أوروبا. هذه المخاوف لا تقتصر على اليمين الشعبوي بزعامة مارين لوبن وجوردان بارديلا، رغم أنه يستفيد منها سياسيًا، بل باتت حاضرة أيضًا في أوساط سياسية وعسكرية أوسع.

فرنسا اعتادت النظر إلى نفسها بوصفها القوة العسكرية المركزية في الاتحاد الأوروبي، بحكم امتلاكها السلاح النووي ومقعدها الدائم في مجلس الأمن. أما ألمانيا، التي كانت أكثر تحفظًا عسكريًا لعقود، فتتجه الآن إلى استثمارات دفاعية ضخمة وتطمح إلى بناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا.

استراتيجية عسكرية تثير التساؤلات

وفقًا لفرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ، زاد القلق في باريس بعد عرض أول استراتيجية عسكرية لألمانيا الاتحادية من قبل وزير الدفاع بوريس بيستوريوس. فالاستراتيجية حملت عنوان "المسؤولية عن أوروبا"، لكنها، من وجهة النظر الفرنسية، لم تذكر فرنسا ولا بولندا كشريكين مركزيين.

قد يبدو ذلك تفصيلًا شكليًا، لكنه في باريس يحمل دلالة سياسية. فإذا كانت ألمانيا تتحدث عن مسؤولية أوروبية جديدة من دون أن تضع الشراكة الفرنسية الألمانية في قلبها، فهذا يعني، بنظر منتقدين فرنسيين، أن برلين تعيد تعريف دورها الأمني بطريقة لا تمنح باريس الموقع الذي اعتادت عليه.

إيرباص تنفي منطق الانفراد

في المقابل، تحاول الصناعة الألمانية طمأنة باريس وتهدئة مخاوفها. فوفقًا لوكالة الأنباء الألمانية، قال رئيس شركة إيرباص للدفاع والفضاء، ميشائيل شولهورن، إن الصناعة تنتظر من المستشار الألماني تكليفًا واضحًا للخطوات المقبلة، سواء بالنسبة إلى مشروع FCAS المتقلص أو لتطوير مقاتلة جديدة.

وشدد شولهورن على أن القوات الجوية في حلف الناتو لا تزال بحاجة إلى مقاتلات مأهولة يمكن ربطها لاحقًا بطائرات مسيرة. وقال إن الصناعة الألمانية تريد تطوير طائرة مقاتلة من أجل أوروبا وبالتعاون معها، مؤكدًا أن الأمر لا يتعلق بتحرك ألماني منفرد، بل بتفكير أوروبي. لكنه أضاف أيضًا أن الصناعة الألمانية يجب أن تكون مشاركة بشكل جوهري وبدور مسؤول.

إسبانيا والسويد في الصورة

بعد انهيار الجزء الخاص بالمقاتلة، لا تزال محاولات البحث عن صيغة أوروبية بديلة قائمة. فقد أكدت شركات إسبانية تمسكها بالتعاون متعدد الجنسيات لتطوير مقاتلة أوروبية، من بينها إندرا وإيرباص للدفاع والفضاء وغروبو أويسيا وجي إم في وآي تي بي وسينر.

وتشير تقديرات متداولة في الأوساط الصناعية إلى أن إيرباص وشركاءها الألمان، ومعهم التحالف الإسباني، قد يتجهون إلى التعاون مع شركة ساب السويدية المصنعة لمقاتلات غريبن. وهذا يعني أن فكرة المقاتلة الأوروبية لم تنته، لكنها قد تعود في صيغة جديدة لا تكون فرنسا مركزها بالضرورة.

وتأتي هذه التطورات في وقت حساس بالنسبة إلى باريس. ففرنسا تعاني من ضغوط مالية وسياسية، بينما ترفع ألمانيا وبولندا إنفاقهما العسكري بوتيرة أسرع. ووفقًا لفرانكفورتر ألغماينه، حذر رئيس أركان الجيش الفرنسي فابيان ماندون أمام مجلس الشيوخ من خطر أن تتخلف فرنسا عسكريًا عن شركائها الأوروبيين.

ورغم أن طائرات عسكرية ألمانية ستحلق فوق قوس النصر في باريس خلال العيد الوطني الفرنسي، فإن الرمزية وحدها لا تبدد الأسئلة. فالعلاقة الألمانية الفرنسية كانت لعقود محرك المشروع الأوروبي. أما اليوم، وبعد انهيار مشروع المقاتلة وصعود مسارات ألمانية بديلة، باتت أمام اختبار واضح. سياسيًا، ويمثل فشل FCAS ضربة لطموح ماكرون في بناء سيادة دفاعية أوروبية. كما يمنح خصومه في الداخل مادة جديدة للقول إن الشراكة مع ألمانيا لا تعمل كما كان يراهن عليها الإليزيه.

تحرير: صلاح شرارة

← Tech