
يثير انتشار النظارات الذكية جدلاً واسعاً حول الخصوصية، بعد استخدامها في التقاط صور لأشخاص سراً ونشر المقاطع دون موافقتهم، في ظل انتقادات قانونية تشير إلى وجود ثغرات تجعل حماية الضحايا محدودة.
لم تكن الشابة زينة تتوقع أن ارتداء ملابس سباحة والجلوس على ضفاف نهر "الألستر" في هامبورغ قد يغير الكثير في حياتها. كانت زينة برفقة صديقتها عندما اقترب منها شاب ودخل معها في محادثة قصيرة. وبعد فترة وجيزة غادر الشاب المكان، فيما اعتقدت زينة أن هذا اللقاء كان عادياً وغير مهم، وفقاً لتقرير مطول نشره موقع "تاغس شاو".
لكن زينة اكتشفت مع مرور الوقت أن الحديث مع ذلك الشاب لم يكن عادياً، إذ قام بتصويرها سراً ونشر الفيديو على تطبيق "تيك توك" الشهير. وحظي الفيديو بتفاعل كبير ومئات التعليقات التي تناولت مظهر زينة وجسدها أيضاً.
ولم تستطع زينة إخفاء دهشتها من نشر فيديو لها على "تيك توك" دون علمها أو موافقتها. وقالت في تصريحات خصت بها شبكة "زود فيست غوندفونك" الألمانية: "كيف حدث هذا؟ كيف استطاع فعل ذلك؟ كانت لدي الكثير من الأسئلة". وأضافت: "لماذا وجدت نفسي في ذلك الموقف؟".
وبالعودة إلى الفيديو، تظهر اللقطات المشهد من منظور الرجل فقط، إذ يُرى ما يراه هو دون ظهور الجهاز الذي استخدمه للتصوير. وتبين لاحقاً لزينة أن الرجل صور الفيديو باستخدام ما يُعرف بـ"النظارات الذكية"، وهي نظارات مزودة بكاميرا وميكروفون لتسجيل الفيديو والصوت.
يُشار إلى أن "النظارات الذكية" من بين أحدث الصيحات في عالم التكنولوجيا. وتنتج هذه النظارات عدة شركات من بينها "ميتا" و"راي بان"، حيث تبدو للوهلة الأولى أنها نظارات عادية، إلا أنها قادرة على تسجيل الفيديو، وإجراء المكالمات الهاتفية، والاستماع إلى الموسيقى.
وفي العام الماضي، بيعت الملايين من هذا النوع من النظارات حول العالم، لدرجة أن شركة "ميتا" تقول إنها لم تعد قادرة على مواكبة الإنتاج.
نظارات في مرمى الانتقادات!
ورغم الإقبال الكبير على هذه النظارات الذكية، إلا أنها تحمل في طياتها العديد من الأمور السلبية من بينها استخدامها في تصوير النساء سراً ونشر فيديوهات على تطبيقات "تيك توك" و"إنستغرام". والملاحظ أنه يتم تصوير النساء في الحانات أو الشواطئ، وغالباً ما تُنشر هذه الفيديوهات مع هاشتاغ "rizz" والمشتق من كلمة "كاريزما"، والذي يستخدمه عادة المؤثرون ومدربو المواعدة وخبراء الإغواء، حسب ما كشف عنه تحقيق لشبكة "زود فيست غوندفونك".
ويتعمد بعض المؤثرين التلاعب بالنظارات الذكية من أجل تصوير الآخرين دون أن يتم كشفهم، رغم أن كاميرا هذه النظارات تظهر ضوءاً وامضاً عند التسجيل لتنبيه المحيطين. ومع ذلك، يتبادل العديد من مستخدمي الشبكة العنكبوتية نصائح حول كيفية إخفاء هذا الضوء.
فيما تدعو شركة "ميتا" المستخدمين إلى الالتزام بالقوانين والتعامل مع الآخرين، مؤكدة أنها اتخذت إجراءات قانونية ضد أشخاص يروجون لطرق التحايل على إجراءات الحماية.
ضحايا في كل مكان
وليست زينة الوحيدة التي تم تصويرها خلسة ونشر فيديو لها على مواقع التواصل الاجتماعي دون معرفتها أو موافقتها. وقالت الشابة سفينا إنها تعرضت أيضاً للتصوير سراً باستخدام نظارات ذكية في مهرجان أكتوبر الشهير الذي يُنظم سنوياً في مدينة ميونيخ الألمانية.
ولفتت سفينا إلى أن رجلاً اقترب منها وتحدث معها باللغة الإنجليزية. وبعدها عرض عليها التقاط صورة مع صديقتها. وبعد فترة وجيزة، تفاجأت سفينا بفيديو لها يوثق تلك اللحظة على تطبيق "إنستغرام".
وقالت سفينا في هذا الصدد: "أثار ذلك لديّ شيئاً من الذعر، لأن هناك فيديو لي على الإنترنت يراه الكثير من الناس، دون أن أملك أي سيطرة على ما يُعرض فيه أو على الطريقة التي أُصوّر بها".
أما الرجل الذي صوّرها فهو يُدعى إريك رينالدو، ويعيش في الولايات المتحدة، وهو مؤثر كبير في مجال "نصائح المواعدة" ويدّعي أنه خبير في العلاقات، ولديه مليون متابع على إنستغرام وما يقارب مليوني متابع على تيك توك. يُشار إلى أن مقاطع الفيديو التي تظهر فيها كلا من زينة أو سفينا لم تعد متوفرة اليوم على الإنترنت.
فجوة قانونية
ويزداد القلق داخل المجتمع الألماني من مثل هذه التصرفات، فقد توصل استطلاع رأي أجراه معهد "infratest dimap" إلى أن 85 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع يرون أن تصوير الأشخاص سراً في مواقف خاصة أو حميمة ونشر هذه المقاطع أو إساءة استخدامها يُعد مشكلة اجتماعية كبيرة أو كبيرة جداً. وبلغت النسبة بين النساء نحو 90 بالمئة.
وقالت إندرا سبيكر، أستاذة القانون في مدينة كولونيا الألمانية: "لدينا حالياً فجوة قانونية في القانون الجنائي". وأضافت أن التصوير السري بحد ذاته ممنوع، لكنه في الغالب ليس جريمة جنائية، لأن التجريم يقتصر عادة على الأماكن المحمية بشكل خاص من التطفل.
لكن بعض الأماكن مثل نهر "الألستر" أو مهرجان أكتوبر، فضلاً عن المسابح أو الساونا لا تدخل ضمن هذه الفئة. وهذا يعني أن الكثير من الضحايا في مثل هذه الحالات ليس بمقدورهم الاعتماد كثيراً على الشرطة أو النيابة العامة. إلا أنه يُمكنهم اللجوء إلى القضاء بشكل فردي بسبب "انتهاك حقوقهم الشخصية" رغم أن هذه العملية غالباً ما تكون مكلفة ومرهقة على المستوى النفسي، حسب إندرا سبيكر.
وتابعت المتحدثة ذاتها أن القانون الذي قدمته مؤخراً وزيرة العدل الألمانية ستيفاني هوبغ لحماية الأفراد من العنف الرقمي لن يُغير الكثير. وسيصبح تصوير الأشخاص في أماكن مثل الساونا فعلاً يُعاقب عليه القانون مستقبلاً، إلا أن إندرا سبيكر ترى هذا القانون "ضيقاً جداً" من الناحية القانونية كما أنه "حل غير موفق من الناحية التقنية القانونية"، حسب رأيها.
وبحسب التعديلات، ستخضع بعض عمليات التصوير السري للعقاب إذا تمت مثلاً "بشكل ذي طابع جنسي". بيد أن هذا الوصف يترك مجالاً واسعاً للتأويل، حسب ما تراه أستاذة القانون إندرا سبيكر. وأضافت: "لا أعتقد أن هذا القانون سيساعد المتضررين بشكل كبير" وذلك في حوار مع موقع تاغس شاو الألماني.
يُشار إلى أن وزيرة العدل الألمانية رفضت إجراء مقابلة بخصوص هذا الموضوع مع الموقع الألماني، مشيرة في رد مكتوب إلى أنها لا تعلق على الحالات الفردية، وأن هذا الأمر يعود للجهات القضائية المختصة والنيابة العامة.
مراجعة: طارق أنكاي